رفيق العجم

251

موسوعة مصطلحات الإمام الغزالي

أظهر المعنيين ، أنّ الحفظ صيانة المتعاديات والمتضادّات بعضها عن بعض . وأعني بهذا التعادي ما بين الماء والنار ، فإنّهما يتعاديان بطباعهما ، فإمّا أن يطفئ الماء النار ، وإما أن يحيل النار الماء ، إن غلبت الماء ، بخارا ، ثمّ هواء . والتضادّ والتعادي ظاهر بين الحرارة والبرودة ، إذ يقهر أحديهما الأخرى ، وكذلك بين الرطوبة واليبوسة . وسائر الأجسام الأرضيّة مركّبة من هذه الأصول المتعادية ، إذ لا بدّ للحيوان من حرارة غريزيّة ولو بطلت لبطلت حياته . ولا بدّ له من رطوبة تكون غذاء لبدنه ، كالدمّ وما يجري مجراه . ولا بدّ من يبوسة بها تتماسك أعضاؤه ، خصوصا ما صلب منها كالعظام . ولا بدّ من برودة تكسر سورة الحرارة حتّى يعتدل ولا يحرق ولا تحلّل الرطوبات الباطنة بسرعة . وهذه متعاديات متنازعات . وقد جمع اللّه ، عزّ وجلّ ، بين هذه المتضادات المتنازعة في إهاب الإنسان وبدن الحيوانات والنبات وسائر المركّبات . ولولا حفظه إيّاها لتنافرت وتباعدت ، وبطل امتزاجها واضمحلّ تركيبها ، وبطل المعنى الذي صارت مستعدّة لقبوله بالتركيب والمزاج . وحفظ اللّه تعالى إيّاها بتعديل قواها ، مرّة ، وبإمداد المغلوب منها ، ثانيا . أمّا التعديل ، فهو أن يكون مبلغ قوّة البارد مثل مبلغ قوّة الحارّ ، فإذا اجتمعا لم يغلب أحدهما الآخر بل يتدافعان ، إذ ليس أحدهما بأن يغلب أولى من أن يغلب ، فيتقاومان ويبقى قوام المركّب بتقاومهما وتعادلهما ، وهو الذي يعبّر عنه باعتدال المزاج . والثاني ، إمداد المغلوب منهما ، بما يعيد قوّته ، حتّى يقاوم الغالب . ومثاله أنّ الحرارة تفني الرطوبة وتجفّفها ، لا محالة . فإذا غلبت ، ضعفت البرودة والرطوبة ، وغلبت الحرارة واليبوسة . ( مص ، 119 ، 13 ) حق - الحق ، جلّ اسمه ، هو الذي يهدي كل أحد بنور معرفته إلى المعارف الحقيقية ، ويقفه بإضاءته ، على دقائق مصنوعاته التي لا تهدى إليها العقول إلا بنور هدايته . هذا معنى واضح ، غني عن الإطالة . وقد أطلق النّور في الإنجيل ، والمراد به الهداية ، وهو قوله عليه السلام : " ما دمت في العالم ، فأنا نور العالم " ( يوحنا ، إصحاح 9 / 5 ) . صرّح بذلك يوحنا في الفصل الثاني والعشرين ، وقوله أيضا : " إنما جئت نور العالم " . صرّح - أيضا - بذلك يوحنا في الفصل الخامس والعشرين ، وهذا التصريح يؤكّد ما ذهبنا إليه من التأويل في حمل النور على الهداية . ( ر ، 150 ، 22 ) - الحقّ هو في مقابلة الباطل ، والأشياء قد تستبان بأضدادها . وكلّ ما يخبر عنه ، فإمّا باطل مطلقا ، وإمّا حقّ مطلقا ، وإمّا حقّ من وجه باطل من وجه . فالممتنع بذاته هو الباطل مطلقا ، والواجب بذاته هو الحقّ مطلقا . والممكن بذاته الواجب بغيره هو حقّ من وجه باطل من وجه . فهو من حيث ذاته لا وجود له ، فهو باطل . وهو